هذا ليس مكاني : حين تعترف الروح بالحقيقة

في مرحلة ما من الحياة، نقف فجأة أمام شعور صامت لكنه حاسم:
هذا ليس مكاني.
لا يصرخ، لا يشرح نفسه، لكنه يستقر في الصدر بثقلٍ لا يُنكر.

ليس المكان دائمًا جدرانًا أو مدينة أو وظيفة أو علاقة.
أحيانًا يكون حالة، دورًا نؤديه، نسخة من أنفسنا نحاول العيش بها إرضاءً للآخرين أو خوفًا من المجهول.
وحين تطول الإقامة في ما لا يشبهنا، تبدأ الروح بالاحتجاج.

نُرهق دون سبب واضح،
نملّ سريعًا،
نفقد الشغف حتى تجاه أشياء كنا نحبها.
نظن أن المشكلة فينا:
نقص صبر، ضعف امتنان، أو عدم قدرة على التكيّف.
لكن الحقيقة أعمق من ذلك.

قول «هذا ليس مكاني» ليس دلالًا ولا تمرّدًا فارغًا،
بل وعيٌ متأخر أحيانًا،
وشجاعة نادرة أحيانًا أخرى.
هو اعتراف داخلي بأن روحك تحتاج فضاءً أوسع،
لغةً تفهمها،
وإيقاعًا يناسب نبضها.

المكان الذي يشبهك لا يطلب منك أن تتصاغر،
ولا يعلّمك كيف تُخفي حقيقتك،
ولا يكافئك فقط عندما تصمت.
المكان الحقيقي يسمح لك أن تتنفس دون شرح،
أن تختلف دون خوف،
أن تنمو دون إذن.

نعم، مغادرة ما ليس مكانك قد تكون مؤلمة.
الاعتياد خدّاع،
والبقاء أسهل من البدء من جديد.
لكن الألم المؤقت للرحيل
أخفّ بكثير من استنزاف البقاء في مكان
لا يرى حقيقتك ولا يحتفي بها.

حين تقول بصدق: هذا ليس مكاني
فأنت لا تهدم حياتك،
أنت تعيد توجيهها.
تفتح بابًا لمكان لم تصله بعد،
لكنه في الطريق إليك
كما أنت في الطريق إليه.

ثق بهذا الصوت الداخلي.
هو لا يضل.
هو يعرف تمامًا
أين تزهر… وأين تذبل.

د.انتصار ابراهيم


التعليقات (0)

اترك تعليقا

لا توجد تعليقات حتى الان، كن اول من يعلق.