عندما تتوقف عن محاربة نفسك

كثير من الناس يظنون أن التغيير يبدأ بالضغط على النفس.

يعاتبون أنفسهم باستمرار.
يلومون أخطاءهم القديمة.
ويقسون على قلوبهم ظنًا منهم أن القسوة ستصنع منهم نسخة أفضل.

لكن الحقيقة مختلفة.

فالإنسان لا ينمو لأنه يكره ضعفه، بل لأنه يفهمه.
ولا يتغير لأنه يجلد نفسه، بل لأنه يتعامل معها بوعي ورحمة.

هناك معارك طويلة نخوضها داخلنا دون أن يشعر بها أحد.
معركة مع خطأ قديم.
مع موقف نندم عليه.
مع قرار نتمنى لو أننا لم نتخذه.

ومع مرور الوقت قد يتحول النقد الداخلي إلى صوت دائم يرافقنا في كل خطوة.

لكن ماذا لو كان جزء من الشفاء يبدأ حين نصمت ذلك الصوت قليلًا؟

الرحمة بالنفس ليست تبريرًا للأخطاء.
وليست هروبًا من المسؤولية.

إنها أن تقول لنفسك:

“نعم، أخطأت.
ونعم، كنت أجهل أشياء كثيرة في ذلك الوقت.
لكنني أتعلم الآن.”

هذا النوع من الحديث الداخلي يساعد الإنسان على النمو أكثر من اللوم المستمر. وتشير دراسات ومقالات حديثة إلى أن التعاطف مع الذات يرتبط بزيادة الوعي والمرونة النفسية وتقليل الاجترار والقلق، كما يدعم القدرة على التعلم من التجارب بدل البقاء أسيرًا لها.

حين تنظر إلى ماضيك بعين أرحم، لا يعني ذلك أنك توافق على كل ما حدث.
بل يعني أنك تتوقف عن معاقبة نفسك إلى الأبد.

فالله تعالى لم يخلق الإنسان كاملًا.
خلق له طريقًا يتعلم فيه، ويسقط فيه، ثم ينهض.

وربما تكون إحدى علامات النضج الحقيقية أن تدرك أن النسخة القديمة منك لم تكن تحتاج مزيدًا من اللوم، بل كانت تحتاج مزيدًا من الفهم.

في النهاية…

ليس مطلوبًا منك أن تكون كاملًا.

المطلوب فقط أن تستمر في السير.

وأن تتذكر دائمًا:

قد لا تستطيع تغيير ما حدث بالأمس، لكنك تستطيع أن تختار كيف تنظر إليه اليوم.

✦ د. انتصار إبراهيم محجوب


التعليقات (0)

اترك تعليقا

لا توجد تعليقات حتى الان، كن اول من يعلق.